الاستدامة في العلوم الصيدلانية: رؤية معاصرة لدور الصيدلي في حماية الصحة والبيئة
ا.م. جنان محمد محسن
المقدمة
شهد العالم في العقود الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في التحديات البيئية التي باتت تهدد صحة الإنسان واستدامة الموارد الطبيعية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على مختلف القطاعات العلمية والطبية، ومن بينها العلوم الصيدلانية. لم يعد تطوير الدواء وتوفيره للمريض هو الهدف الوحيد للصيدلة الحديثة، بل أصبح من الضروري النظر إلى الأثر البيئي والصحي طويل الأمد المرتبط بإنتاج الأدوية واستخدامها والتخلص منها. ومن هنا برز
مفهوم الاستدامة في العلوم الصيدلانية بوصفه توجهًا علميًا وأخلاقيًا يسعى إلى تحقيق التوازن بين متطلبات العلاج الفعّال والحفاظ على البيئة.
دور الصيدلي في حماية الصحة و البيئة
تعتمد الاستدامة الصيدلانية على فهم شامل لدورة حياة الدواء، بدءًا من مرحلة البحث والتطوير، مرورًا بالتصنيع والتعبئة والتوزيع، وانتهاءً بالاستخدام السريري والتخلص من المستحضرات الدوائية بعد انتهاء صلاحيتها. هذا النهج المتكامل يسلط الضوء على مسؤولية الصيدلي والعاملين في القطاع الدوائي في تقليل الهدر، وترشيد الموارد، والحد من التأثيرات البيئية غير المرغوبة التي قد تنتج عن الممارسات التقليدية.
في مرحلة التصنيع الدوائي، تُعد الصناعات الصيدلانية من أكثر الصناعات استهلاكًا للطاقة والمواد الكيميائية، خصوصًا المذيبات العضوية التي قد تكون ذات سمية عالية وتأثيرات بيئية ضارة. وقد أدى ذلك إلى تزايد الاهتمام بتطبيق مبادئ الكيمياء الخضراء في المجال الصيدلاني، من خلال تحسين كفاءة التفاعلات الكيميائية، وتقليل عدد المراحل التصنيعية، واستخدام مواد أقل خطورة على الإنسان والبيئة. إن اعتماد هذه المبادئ لا يسهم فقط في حماية البيئة، بل ينعكس أيضًا على تحسين جودة المنتج الدوائي وتقليل الكلف الاقتصادية على المدى البعيد.
أما في الممارسة الصيدلانية اليومية، فتظهر أهمية الاستدامة من خلال التعامل الرشيد مع الأدوية الموصوفة وغير الموصوفة. تشير العديد من التقارير إلى أن نسبة كبيرة من الأدوية تُهدر بسبب سوء التخزين، أو عدم الالتزام بالعلاج، أو صرف كميات تفوق الحاجة الفعلية للمريض. هذا الهدر لا يمثل خسارة اقتصادية فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى تلوث بيئي عند التخلص غير السليم من الأدوية، خاصة تلك التي تصل إلى مصادر المياه وتؤثر في الأنظمة البيئية والكائنات الحية.
هنا يبرز الدور المحوري للصيدلي في تعزيز الممارسات المستدامة من خلال توعية المرضى حول الاستخدام الأمثل للأدوية، وأهمية الالتزام بالجرعات العلاجية، وطرق التخزين الصحيحة، إضافة إلى الإرشاد بشأن التخلص الآمن من الأدوية المنتهية الصلاحية. كما يمكن للصيدلي أن يسهم في تقليل العبء البيئي عبر تشجيع وصف الأدوية عند الضرورة فقط، والمشاركة في برامج الحد من الإفراط في استخدام المضادات الحيوية، لما لذلك من أثر مباشر على الصحة العامة والبيئة.
تلعب المؤسسات الصحية، ولا سيما المستشفيات والصيدليات، دورًا أساسيًا في دعم الاستدامة الصيدلانية من خلال تبني أنظمة فعّالة لإدارة النفايات الطبية والدوائية، وتقليل الاعتماد على المواد البلاستيكية ذات الاستعمال
الواحد، والاتجاه نحو حلول تعبئة أكثر استدامة. إن هذه الإجراءات، رغم بساطتها الظاهرية، تُعد خطوات مهمة نحو تقليل البصمة البيئية للقطاع الصحي وتعزيز مفهوم المسؤولية المجتمعية.
ولا يمكن إغفال الدور الأكاديمي في ترسيخ مفاهيم الاستدامة في العلوم الصيدلانية. إذ يُعد إدماج موضوعات الاستدامة والكيمياء الخضراء في مناهج كليات الصيدلة خطوة جوهرية لإعداد جيل من الصيادلة يمتلك وعيًا بيئيًا إلى جانب كفاءته العلمية والمهنية. إن هذا الوعي المبكر يسهم في بناء ثقافة مهنية قائمة على اتخاذ قرارات علاجية وتصنيعية تراعي صحة الإنسان والبيئة في آنٍ واحد.
في ضوء ما تقدم، يمكن القول إن الاستدامة في العلوم الصيدلانية لم تعد خيارًا ثانويًا، بل أصبحت ضرورة تفرضها التحديات الصحية والبيئية المعاصرة. إن تبني هذا المفهوم يسهم في تطوير ممارسة صيدلانية أكثر كفاءة ومسؤولية، ويعزز من دور الصيدلي كشريك أساسي في حماية الصحة العامة والحفاظ على الموارد الطبيعية. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية دعم المبادرات الأكاديمية والمهنية التي تسعى إلى ترسيخ الاستدامة كجزء لا يتجزأ من مستقبل العلوم الصيدلانية.
الخاتمة
في ظل التحديات البيئية والصحية المتزايدة، تبرز الاستدامة في العلوم الصيدلانية بوصفها مسارًا ضروريًا لتطوير الممارسة الصيدلانية بما ينسجم مع متطلبات العصر الحديث. إن تبنّي مفاهيم الاستدامة لا يقتصر على تقليل الأثر البيئي للصناعات الدوائية فحسب، بل يمتد ليشمل تحسين جودة الرعاية الصحية، وترشيد استخدام الموارد، والحد من الهدر الدوائي، وتعزيز سلامة المجتمع والبيئة على حدٍ سواء.
يمثل الصيدلي عنصرًا محوريًا في هذا التحول، سواء من خلال دوره في التصنيع الدوائي، أو في الممارسة السريرية، أو في توعية المرضى والمجتمع. كما أن إدماج مبادئ الاستدامة في التعليم الصيدلاني يسهم في إعداد جيل واعٍ قادر على اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة تراعي البعد البيئي إلى جانب البعد العلاجي. ومن هنا، فإن دعم المبادرات الأكاديمية والبحثية التي تعزز مفهوم الاستدامة يُعد خطوة أساسية نحو بناء نظام صحي أكثر كفاءة واستدامة يخدم الإنسان ويحافظ على البيئة للأجيال القادمة.
المصادر
Sheldon, R.A. (2017) ‘The rise of green chemistry and sustainability’, Green Chemistry, 19(1), pp. 18–43. https://doi.org/10.1039/C6GC02157C
Thakur, V.K. and Thakur, M.K. (2016) ‘Recent advances in green materials for pharmaceutical applications’, Carbohydrate Polymers, 153, pp. 506–522. https://doi.org/10.1016/j.carbpol.2016.07.086
Kumar, S. and Bhowmik, D. (2018) ‘Role of natural excipients in pharmaceutical formulations’, International Journal of Pharmaceutical Sciences Review and Research, 50(1), pp. 1–10.
World Health Organization (2019) Safe management of wastes from health-care activities. Geneva: WHO Press.
European Medicines Agency (2020) Guideline on the environmental risk assessment of medicinal products. Available at: https://www.ema.europa.eu (Accessed: 2026).





