Latest:

الرعاية الصحية وحماية البيئة في إطار التنمية المستدامة

م.م. زينب حسين علي

تُعدّ التنمية المستدامة من القضايا المحورية في العصر الحديث، إذ تهدف إلى تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، وحماية البيئة. وقد أكدت تقارير الأمم المتحدة أن صحة الإنسان ترتبط ارتباطًا مباشرًا بسلامة البيئة، وأن التدهور البيئي يشكّل تهديدًا حقيقيًا للتنمية والصحة العامة (1).تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على أهمية التكامل بين الرعاية الصحية وحماية البيئة باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتحقيق التنمية المستدامة، وذلك من خلال توضيح تأثير البيئة السليمة على صحة الإنسان، ودور السياسات الصحية والبيئية في تحسين جودة الحياة للأجيال الحالية والمستقبلية، مع التأكيد على ضرورة تبني ممارسات تنموية توازن بين النمو الاقتصادي، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وتعزيز الصحة العامة.

ماهي التنمية المستدامة؟

مفهوم التنمية المستدامة يتطلب فهمًا شاملاً للأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للتنمية. يتمحور التفكير في المفهوم البديل للنمو الاقتصادي الذي يعتمد على استغلال الموارد بشكل مستدام وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة وتعزيز العدالة الاجتماعية.عرّفت الأمم المتحدة التنمية المستدامة بأنها التنمية التي تلبّي احتياجات الجيل الحاضر دون الإضرار بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها (1). ويقوم هذا المفهوم على ثلاثة أبعاد رئيسية: البعد البيئي، والبعد الاجتماعي-الصحي، والبعد الاقتصادي، حيث يشكّل ضمان الرعاية الصحية وحماية البيئة أساسًا لتحقيق تنمية شاملة ومتوازنة. التنمية المستدامة هي عملية تنموية تقوم على تحقيق التوازن بين الاقتصاد والمجتمع والبيئة، بحيث تلبّي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها. ويقوم مفهوم التنمية المستدامة على إدارة رشيدة للموارد، وتخطيط واعٍ

يضمن العدالة الاجتماعية، وحماية المناخ والأنظمة البيئية، مع تعزيز مشاركة الأفراد في تحقيق ذلك.ويُفهم تعريف التنمية المستدامة أيضًا من خلال مكوّناته الأساسية؛ فالتنمية تعني التطور والتحسين المستمر في جودة الحياة والخدمات، بينما تشير الاستدامة إلى الاستمرار دون استنزاف الموارد. وعند جمع هذين المعنيين، يتضح أن التنمية المستدامة هي بناء حاضر مزدهر يحافظ على حقوق وفرص الأجيال القادمة من خلال ممارسات اقتصادية واجتماعية وبيئية متوازنة.

تأثيرات التدهور البيئي على الصحة العامة

تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن العوامل البيئية، وعلى رأسها تلوث الهواء والمياه، تساهم في ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية وأمراض القلب، إضافة إلى انتشار الأمراض المعدية في المناطق التي تعاني من ضعف البنية البيئية (2). كما تؤكد المنظمة أن نسبة كبيرة من الوفيات المبكرة عالميًا يمكن الوقاية منها من خلال تحسين الظروف البيئية.أوضحت منظمة الصحة العالمية أن التغير المناخي يزيد من المخاطر الصحية، مثل موجات الحر الشديدة، وانتشار بعض الأمراض الوبائية، وسوء التغذية الناتج عن تراجع الإنتاج الزراعي (2). ويُظهر ذلك أن حماية البيئة والمناخ تُعدّ إجراءً وقائيًا أساسيًا للحفاظ على صحة الإنسان على المدى الطويل.

الرعاية الصحية الوقائية في إطار التنمية المستدامة

اصبح من الواضح ان مفهوم الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية وبعد التطورات العلمية وازدياد الامراض في الاوانة الأخيرة قد اخذ منحا اخر عن  ما في السابق. اذ لم يعد مفهومه مجرد خلو الجسم من الامراض بل اقترن وارتبط بمتطلبات أخرى ، منها حق الانسان في بيئة نظيفة وسليمة خالية من صور التلوث جمعاء، فضلا عن توفر مستلزمات الغذاء الصحي المتوازن والمياه الصالحة للشرب ، توفر السكن الملائم الذي تتوفر فيه المستلزمات الصحية كلها.تركّز استراتيجيات التنمية المستدامة على تعزيز الرعاية الصحية الوقائية بدلًا من الاكتفاء بالعلاج، من خلال مراقبة جودة الهواء والمياه، وتقليل مصادر التلوث، ونشر الوعي الصحي بين أفراد المجتمع (2).كانت الصحة تفهم دائما على انها “عدم وجود المرض”. ثم تغيرت النظرة بعد ذلك الى الحق في ارتباطها الوثيق بحياة الانسان وتم الاعتراف بها كحق من حقوق الانسان.

نلاحظ بان الدستور العراقي قد اكد على عدة مبادئ في مجال الصحة والرعاية الصحية(4):

الحق بالرعاية الصحية لكل افراد المجتمع,بقيامها بتامين وسائل الوقاية والعلاج عن طريق إقامة مستشفيات ومستوصفات.

رعايتها لذوي الفئات الخاصة من المعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة وتاهيلهم بغية دمجهم بالمجتمع.
أهمية دور القطاع الخاص في انشاء المستشفيات والمستوصفات تحت اشراف ورقابة قطاعات الدولة.
حماية البيئة والتنوع الحيوي والحفاظ عليها,كونها من اهم مقومات الصحة السليمة للفرد بشكل خاص والبشرية على وجه العموم.

ويسهم هذا التوجه في تخفيف العبء على الأنظمة الصحية وتقليل التكاليف الاقتصادية المرتبطة بالأمراض البيئية.أشار برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن القطاع الصحي نفسه قد يشكّل مصدرًا للتلوث في حال عدم إدارة النفايات الطبية واستهلاك الطاقة بشكل مستدام (3). لذلك تدعو تقاريره إلى تبنّي مفهوم المرافق الصحية الخضراء، التي تعتمد على الطاقة المتجددة، وتقلل النفايات، وتستخدم الموارد بكفاءة، بما يحقق حماية البيئة وتعزيز الصحة في الوقت نفسه.أكدت تقارير الأمم المتحدة أن تحقيق التكامل بين الرعاية الصحية وحماية البيئة يتطلب سياسات حكومية واضحة وتشريعات بيئية فعّالة، إلى جانب دعم أنظمة الرعاية الصحية ونشر الوعي البيئي بين أفراد المجتمع (1). كما يلعب الأفراد دورًا مهمًا من خلال تبنّي سلوكيات تحافظ على البيئة وتعزز الصحة العامة.يتضح أن تكامل الرعاية الصحية وحماية البيئة يمثّل ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة. فبيئة سليمة تعني مجتمعًا صحيًا، ونظامًا صحيًا أكثر قدرة على دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن خلال الالتزام بالتوصيات الدولية والتعاون بين الحكومات والمجتمعات، يمكن بناء مستقبل مستدام يحافظ على صحة الإنسان وموارد البيئة للأجيال القادمة.

المصادر:

United Nations. Our Common Future (Brundtland Report). New York: United Nations; 1987.

World Health Organization. Preventing disease through healthy environments. Geneva: WHO; 2016.

United Nations Environment Programme. Healthy Environment, Healthy People. Nairobi: UNEP; 2016.

م.م.عباس قاسم,الحق في الرعاية الصحية واثره على التنمية المستدامة,مجلة جامعة الامام جعفر الصادق(ع)للدراسات القانونية,العدد الرابع,كانون الأول,2022.